محمد هادي معرفة
109
شبهات وردود حول القرآن الكريم
ورجّح هذا المعنى على المعنى الأوّل باحتياج ذلك إلى تأويل النفي العامّ هنا بتخصيصه بمن يكون منهم حيّا عند نزول عيسى . قال : والمتبادر من الآية هو المعنى الذي أختاره ، وهذا التخصيص لا دليل عليه ، وهو مبنيّ على شيء لا نصّ عليه في القرآن حتّى يكون قرينة له . قال : والأخبار التي وردت فيه لم ترد مفسّرة للآية . أمّا المعنى المختار الذي هو الظاهر المتبادر من النظم البليغ فيؤيّده ما ورد من اطّلاع الناس قبل موتهم على منازلهم في الآخرة . قال : وممّا يؤيّد هذه الحقيقة النصّ في سورة يونس على تصريح فرعون بالإيمان حين أدركه الغرق . « 1 » غير أنّ سياق الآية يرجّح القول الأوّل ، حيث وقع هذا التعبير عقيب ردّ مزعومة اليهود : أنّهم صلبوه وقتلوه ، بل شبّه لهم الأمر وما قتلوه يقينا . فمعناه : أنّه لم يقتل ولم يمت ، وأنّه حيّ يرزق ، وما من أحد من أبناء اليهود والنصارى ليؤمننّ به إيمانا بنبوّته الصادقة قبل أن يموت المسيح ، فالكلام هنا كلام عن موت المسيح ، وأنّه مات بالصلب وقتل أم لا ، فالآية تنكر ذلك ، وتنصّ على أنّه لم يمت ، فكان قوله تعالى قَبْلَ مَوْتِهِ إشارة إلى موت المسيح عليه السّلام . ولسيّدنا العلّامة الطباطبائي قدّس سرّه هنا نظرة دقيقة في دلالة سياق الآية على عود الضمير في قَبْلَ مَوْتِهِ إلى المسيح عليه السّلام وذلك حيث قوله تعالى - عقيب ذلك - : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً . فإنّه يدلّ على أنّه عليه السّلام يشهد يوم القيامة بشأن من آمن به في حياته قبل موته . أمّا فترة التوفّي ورفعه إلى السماء فكان الشاهد عليهم هو اللّه سبحانه ، كما جاءت في سورة المائدة : 117 . « 2 » وأمّا مسألة تخصيص العموم فليس من التخصيص حقيقة ، وإنّما هو من باب التسامح والتوسعة في التعبير ، فخوطب الآباء بما يفعله الأبناء ، كما عوتب الأبناء بما فعله الآباء في كثير من مواضع القرآن .
--> ( 1 ) تفسير المنار ، ج 6 ، ص 21 - 22 . ( 2 ) راجع : تفسير الميزان ، ج 5 ، ص 142 .